محمد بن جرير الطبري
147
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : أربع خلال ، وكلهن عذاب ، وكلهن واقع قبل يوم القيامة ، فمضت اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة : ألبسوا شيعا ، وأذيق بعضهم بأس بعض ، وثنتان واقعتان لا محالة : الخسف ، والرجم . القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر يا محمد بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربهم الجاحدين نعمه وتصريفناها فيهم . لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ يقول : ليفقهوا ذلك ويعتبروه ، فيذكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم من عبادة الأوثان والأصنام والتكذيب بكتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يقول تعالى ذكره : وَكَذَّبَ يا محمد قَوْمُكَ بما تقول وتخبر وتوعد من الوعيد . وَهُوَ الْحَقُّ يقول : والوعيد الذي أوعدناهم على مقامهم على شركهم من بعث العذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم أو لبسهم شيعا ، وإذاقة بعضهم بأس بعض ، الحق الذي لا شك فيه أنه واقع ، إن هم لم يتوبوا وينيبوا مما هم عليه مقيمون من معصية الله والشرك به إلى طاعة الله والإيمان به . قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يقول : قل لهم يا محمد : لست عليكم بحفيظ ولا رقيب ، وإنما رسول أبلغكم مما أرسلت به إليكم . لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ يقول : لكل خبر مستقر ، يعني قرار يستقر عنده ونهاية ينتهي إليها ، فيتبين حقه وصدقه من كذبه وباطله . وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول : وسوف تعلمون أيها المكذبون بصحة ما أخبركم به من وعيد الله إياكم أيها المشركون وحقيته عند حلول عذابه بكم . فرأوا ذلك وعاينوه فقتلهم يومئذ بأوليائه من المؤمنين . وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن المفصل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ يقول : كذبت قريش بالقرآن ، وهو الحق . وأما الوكيل : فالحفيظ . لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ لكل نبأ حقيقة ، إما في الدنيا وإما في الآخرة . وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما كان في الدنيا فسوف ترونه ، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ يقول : حقيقة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول : فعل وحقيقة ، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة . وكان الحسن يتأول في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني المثني ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن جعفر بن حيان ، عن الحسن أنه قرأ : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ قال : حبست عقوبها حتى إذا عمل ذنبها أرسلت عقوبتها . . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ